د. علي حسين باكير - العرب القطرية

في أول زيارة رسمية له إلى تركيا منذ توليه منصب رئاسة الجمهورية في العراق في أكتوبر الماضي، التقى الرئيس العراقي برهم صالح بنظيره التركي رجب طيب أردوغان في العاصمة التركية أنقرة يوم الخميس الماضي. ركّزت المحادثات بين الطرفين على ثلاثة ملفات رئيسية، هي: محاربة الإرهاب، ومسألة المياه، وموضوع إعادة الإعمار.

ويعد موضوع المياه من الإشكاليات المزمنة في العلاقة بين الطرفين، حيث تشير السلطات العراقية بشكل دائم إلى أن حبس تركيا مياه نهري دجلة والفرات يؤدي إلى نتائج سلبية على العراق، وإذ لا تتفق السلطات التركية مع الجانب العراقي على هذا التشخيص، إلا أنها منفتحة دوماً على مناقشته، ولذلك سيصار إلى انتداب مبعوث تركي إلى العراق للاهتمام بهذه المسألة.

ويسعى الجانب العراقي إلى ضمان عدم عودة تنظيم «داعش» إلى المشهد مجدداً، ويعدّ هذا الهدف بمثابة مصلحة مشتركة أيضاً لدى السلطات التركية، حيث أدّى ظهور التنظيم في السنوات القليلة الماضية إلى تقويض التجارة البينية مع العراق، وعرقلة الاستثمارات. وشجع تدهور الوضع الأمني خلال تلك الفترة ميليشيات حزب العمال الكردستاني على تكثيف نشاطها العسكري ضد تركيا انطلاقاً من الحدود العراقية. 
ونتيجة لذلك، تأخذ أنقرة زمام المبادرة في مهاجمة مواقع حزب العمال الكردستاني داخل العمق العراقي، الأمر الذي يزعج السلطات في بغداد دوماً. لكن من وجهة نظر تركيا ما لم تستطع السلطات العراقية منع ذلك بنفسها، فإن لدى أنقرة الحق في تأمين حدودها، من خلال هذه العمليات العسكرية.

أمّا بالنسبة إلى ملف إعادة الإعمار، فقد تعهدت تركيا خلال مؤتمر المانحين العام الماضي بتقديم 5 مليارات دولار على شكل قروض وتسهيلات للمساعدة على إعادة إعمار العراق. وتهدف السلطات التركية إلى إعادة العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين إلى ما قبل الأحداث الأمنية التي ضربت العراق، والتي أدّت إلى انخفاض حجم التبادل التجاري بين البلدين من حوالي 16.7 مليار دولار في عام 2013 إلى حوالي 10 مليارات دولار في عام 2017، وإلى توقّف عدد كبير من مشاريع البنى التحتية والاستثمارات التركية في العراق.

ويعتقد كثيرون أنّ تحسّن العلاقات مجدداً بين تركيا والعراق سيؤدي في نهاية المطاف إلى إثارة حساسية إيران، ذلك أن طهران عطّلت لسنوات طويلة امتداد النفوذ الاقتصادي التركي إلى وسط وجنوب العراق للحفاظ على حصّتها في السوق العراقي. ومع فرض العقوبات الأميركية على إيران، وتعرض بغداد لضغوط أميركية للالتزام بهذه العقوبات، ستصبح تركيا جذّابة بشكل أكبر للعراق، لا سيما في ظل حقيقة أنّها مهيأة بشكل أفضل على المساعدة في مشاريع إعادة إعمار البنى التحتية، وتالياً على تحقيق الاستقرار. 

وممّا قد يزيد من حساسية إيران، مشروع ربط لنقل البضائع التركية من تركيا إلى العراق براًّ، وبعدها من العراق إلى قطر بحراً، كان الجانب القطري قد طرحه مؤخراً على السلطات العراقية. ومن المتوقع أن ينشّط مثل هذا الخط التجارة بين العراق وجيرانه العرب والأتراك، لكنّ طهران قد تنظر إليه على أنه بديل عن خطّها الذي أقيم مؤخراً بعد الأزمة الخليجية، والذي يعمل من تركيا عبر الأراضي الإيرانية، وبعدها من هناك إلى قطر بحراً. وحتى لو لم يكن بديلاً، فإنه سيقلل من دون شك من حجم الاعتماد على إيران في التجارة المتعددة الأطراف.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية. سبق وعمل في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية (USAK) أنقرة.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس